محمد بن جرير الطبري

27

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً الجهاد هذا منسوخ ، نسخه قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فلم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة بعد براءة . وقال آخرون : هي محكمة وليست بمنسوخة ، وقالوا : لا يحوز قتل الأسير ، وإنما يجوز المن عليه والفداء الجهاد . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا أبو عتاب سهل بن حماد ، قال : ثنا خالد بن جعفر ، عن الحسن ، قال : أتى الحجاج بأسارى ، فدفع إلى ابن عمر رجلا يقتله ، فقال ابن عمر : ليس بهذا أمرنا ، قال الله عز وجل حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً الجهاد قال : البكاء بين يديه فقال الحسن : لو كان هذا وأصحابه لابتدروا إليهم . حدثنا ابن حميد وابن عيسى الدامغاني ، قالا : ثنا ابن المبارك ، عن ابن جريج ، عن عطاء أنه كان يكره قتل المشرك صبرا الجهاد ، قال : ويتلو هذه الآية فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، الجهاد قال : لا تقتل الأسارى إلا في الحرب يهيب بهم العدو . حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، قال : كان عمر بن عبد العزيز يفديهم الرجل بالرجل ، وكان الحسن يكره أن يفادى بالمال الجهاد . حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن رجل من أهل الشام ممن كان يحرس عمر بن عبد العزيز ، وهو من بني أسد ، قال : ما رأيت عمر رحمه الله قتل أسيرا إلا واحدا من الترك كان جيء بأسارى من الترك ، فأمر بهم أن يسترقوا ، فقال رجل ممن جاء بهم : يا أمير المؤمنين ، لو كنت رأيت هذا لأحدهم وهو يقتل المسلمين لكثر بكاؤك عليهم ، فقال عمر : فدونك فاقتله ، فقام إليه فقتله الجهاد . والصواب من القول عندنا في ذلك أن هذه الآية محكمة غير منسوخة الجهاد ، وذلك أن صفة الناسخ والمنسوخ ما قد بينا في غير موضع في كتابنا إنه ما لم يحز اجتماع حكميهما في حال واحدة ، أو ما قامت الحجة بأن أحدهما ناسخ الآخر ، وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المن والفداء والقتل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإلى القائمين بعده بأمر الأمة ، وإن لم يكن القتل مذكورا في هذه الآية ، لأنه قد أذن بقتلهم في آية أخرى ، وذلك قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ بل ذلك كذلك ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يفعل فيمن صار أسيرا في يده من أهل الحرب ، فيقتل بعضا ، ويفادي ببعض ، ويمن على بعض ، مثل يوم بدر قتل عقبة بن أبي معيط وقد أتي به أسيرا ، وقتل بني قريظة ، وقد نزلوا على حكم سعد ، وصاروا في يده سلما ، وهو على فدائهم ، والمن عليهم قادر ، وفادى بجماعة أسارى المشركين الذين أسروا ببدر ، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي ، وهو أسير في يده ، ولم يزل ذلك ثابتا من سيره في أهل الحرب من لدن أذن الله له بحربهم ، إلى أن قبضه إليه صلى الله عليه وسلم دائما ذلك فيهم ، وإنما ذكر جل ثناؤه في هذه الآية المن والفداء في الأسارى ، فخص ذكرهما فيها ، لأن الأمر بقتلهما والإذن منه بذلك قد كان تقدم في سائر آي تنزيله مكررا ، فأعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بما ذكر في هذه الآية من المن والفداء ما له فيهم مع القتل . وقوله : حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها الجهاد يقول تعالى ذكره : فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا رقابهم ، وافعلوا بأسراهم ما بينت لكم ، حتى تضع الحرب آثامها وأثقال أهلها ، المشركين بالله بأن يتوبوا إلى الله من شركهم ، فيؤمنوا به وبرسوله ، ويطيعوه في أمره ونهيه ، فذلك وضع الحرب أوزارها ، وقيل : حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها والمعنى : حتى تلقي الحرب أوزار أهلها . وقيل : معنى ذلك : حتى يضع المحارب أوزاره . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى : وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ووقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها قال : حتى يخرج عيسى ابن مريم ، فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة ، وتأمن الشاة من الذئب ، ولا تقرض فأرة جرابا ، وتذهب العداوة من الأشياء كلها ، ذلك ظهور الإسلام على الدين كله ، وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دما إذا وضعها الجهاد .